ابن حجة الحموي
118
خزانة الأدب وغاية الأرب
والفرق بين الهجاء في معرض المدح وبين التهكم أن التهكم لا تخلو ألفاظه من اللفظ الدال على نوع من أنواع الذم أو لفظة توهم من فحواها الهجو وألفاظ المدح في معرض الذم لا يقع فيها شيء من ذلك ولا تزال تدل على ظاهر المدح حتى يقرن بها ما يصرفها عنه وبيت الشيخ صفي الدين الحلي من معشر يرخص الإعراض جوهرهم * ويحملون الأذى من كل مهتضم فقوله ويحملون الأذى من كل مهتضم ينظر إلى قول الحماسي يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة والمراد بما أبطنه الذل وعدم المنعة والعميان لم ينظموا هذا النوع وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في معرض المدح تهجى من قبيلته * أعراضهم بين معمور ومنهدم الذي أقوله إن الشيخ عز الدين قفل مصراعي بيته ومنع الأفهام من الدخول إليه فإني لم أجد فيه ما يدل على مجرد المدح ولا اقترن به ما يصرفه إلى صيغة الهجو بل أقول وأنا أستغفر الله إن هذا البيت أجساد ألفاظه ما دب فيها من المعاني روح وليس له بهذا النوع إلمام وبيت بديعيتي وكم بمعرض مدح قد هجوتهم * وقلت سدتم بحمل الضيم والتهم فحمل الضيم ينظر إلى قول الحماسي إذ ظاهره الحلم والحسن وباطنه الذل وعدم المنعة ولكن حمل التهم هو الغاية القصوى في ظاهره وباطنه والله أعلم ذكر الاستثناء عفت القدود فلم أستثن بعدهم * إلا معاطف أغصان بذي سلم الاستثناء استثناءان لغوي وصناعي فاللغوي إخراج القليل من الكثير وقد فرع النحاة من ذلك في كتبهم فروعا كثيرة والصناعي هو الذي يفيد بعد إخراج القليل من الكثير معنى يزيد على معنى الاستثناء ويكسوه بهجة وطلاوة ويميزه بما يستحق به الإثبات في أبواب البديع كقوله تعالى فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس فإن في هذا الكلام معنى زائدا على مقدار الاستثناء وذلك لعظم الكبيرة التي أتى بها إبليس من كونه خرق إجماع الملائكة وفارق جميع الملأ الأعلى بخروجه مما دخلوا فيه من السجود لآدم وذلك مثل قولك أمر الملك بكذا وكذا فأطاع أمره جميع الناس من أمير ووزير إلا فلانا فإن الإخبار عن معصية هذا العاصي بهذه الصيغة مما يعظم أمر معصيته ويفخم مقدار كبريائه بخلاف قولك أمر الملك بكذا فعصاه فلان ومثاله قوله تعالى إخبارا عن نوح عليه السلام فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فإن في الإخبار عن هذه المدة بهذه الصيغة تهويلا على السامع لتمهيد عذر نوح عليه السلام في الدعاء على قومه وإن في حكمة الإخبار عن المدة بهذه الصيغة العظيمة تعظيمها لكون أول ما يباشر السمع ذكر الألف والإيجاز في اختصار هذا اللفظ بهذه البلاغة العظيمة ظاهر فإن لفظ القرآن أخصر وأوجز من قولنا تسعمائة سنة وخمسين عاما ولفظ القرآن بتقييد حصر العدد المذكور ولا يحتمل الزيادة عليه ومثله قوله تعالى فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ فالله تعالى لما علم أن وصف الشقاء يعم المؤمن العاصي والكافر استثنى من خلودهم في النار بلفظ مطمع حيث أثبت الاستثناء المطلق وأكده بقوله إن ربك فعال لما يريد أي أنه لا اعتراض عليه في إخراج أهل الشقاء من النار ولما علم أن أهل السعادة لا خروج لهم من الجنة استثنى من خلودهم ما ينفي الاستثناء حيث قال عطاء غير مجذوذ أي مقطوع وهذه المعاني في هذه الآيات الشريفة زائدة على الاستثناء اللغوي ومن أمثال الاستثناء اللغوي في الشعر قول النميري فلو كنت بالعنقاء أو بأطومها * لخلتك إلا أن تصد تراني هذا الاستثناء في غاية الحسن فإنه تضمن المبالغة في زيادة مدح الممدوح وذلك أن هذا الشاعر يقول